تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الأربعاء بعد أن بدأت السعودية توفير شحنات إضافية من الخام عبر عُمان، في خطوة خففت المخاوف من أن يؤدي تعطل خط الأنابيب السعودي المتجه إلى البحر الأحمر إلى أزمة أكبر في الإمدادات.
هبطت عقود خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil Futures) بنحو 1.55% أو $1.69 إلى $107.06 للبرميل بحلول 11:28 بتوقيت غرينتش، بينما تراجعت عقود خام غرب تكساس الوسيط (CL=F – WTI Crude Oil Futures) بنحو 2.46% أو $2.60 إلى $103.23 للبرميل.
لكن انخفاض الخام لا يعني انتهاء أزمة الطاقة. سوق الديزل تحديداً لا تزال شديدة الضيق، مع تداول الديزل الأوروبي قرب مستويات قياسية، وتجاوز متوسط سعر الديزل الأمريكي $6 للغالون للمرة الأولى، في وقت تستمر فيه اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط وروسيا.
بالتالي، السوق أمام قصتين مختلفتين: الخوف من نقص الخام تراجع قليلاً، لكن نقص المنتجات المكررة لم يُحل بعد.
🛢️ السعودية تجد مساراً بديلاً وتخفف مخاوف الإمدادات
كانت أسعار النفط قد أغلقت جلسة الثلاثاء مرتفعة بأكثر من $3 للبرميل بعد تعليق تحميلات الخام من ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر وإلغاء بعض الشحنات المتجهة إلى العملاء الأوروبيين.
السبب هو الضرر الذي أصاب خط الأنابيب السعودي شرق–غرب بعد هجمات بطائرات مسيرة. أهمية هذا الخط أنه يسمح للسعودية بنقل الخام من شرق المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر، وبالتالي توفير طريق تصدير بديل عن مضيق هرمز.
لكن التطور الجديد جاء من عُمان.
بدأت أرامكو السعودية (2222 – Saudi Aramco) بعرض كميات إضافية من خامات Arab Light وArab Medium وArab Heavy على مشترين آسيويين، مع نقل الخام بحراً وإجراء عمليات تحويل من سفينة إلى أخرى قبالة ميناء صحار العُماني، الواقع خارج مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، ضاعفت السعودية تقريباً تحميلاتها اليومية من محطتي رأس تنورة والجعيمة داخل الخليج إلى ما يعادل نحو 4 ملايين برميل يومياً خلال الأسبوع الأخير، بحسب بيانات تتبع الأقمار الصناعية الواردة في التقرير.
هذه المرونة اللوجستية خففت السيناريو الأكثر تشاؤماً الذي كان السوق يسعّره: فقدان جزء كبير من الصادرات السعودية لفترة ممتدة.
🔮 نظرة مُركّب: تراجع النفط لا يعني أن مشكلة خط الأنابيب حُلت، بل أن السعودية أظهرت قدرة أكبر على إعادة توجيه البراميل. السوق خفضت علاوة الخطر المرتبطة باحتمال فقدان الإمدادات بالكامل، لكن تكلفة وتعقيد نقل الخام ارتفعا، ولا يزال الوضع بعيداً عن الطبيعي.
🚢 مضيق هرمز لا يزال بعيداً عن العودة الطبيعية
رغم الارتياح الذي وفرته الشحنات السعودية عبر عُمان، تبقى حركة الملاحة عبر مضيق هرمز محدودة للغاية.
البيانات الأولية أظهرت عبور 4 سفن فقط يوم الثلاثاء، انخفاضاً من 7 سفن في اليوم السابق، مقارنة بمتوسط 10 أيام يبلغ نحو 18 سفينة. ولم تكن بين السفن الأربع ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز طبيعي مسال مرصودة، مع احتمال مرور سفن أخرى دون تشغيل إشارات التتبع.
هذه الأرقام مهمة لأن المضيق كان، قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير، يحمل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
لكن المفارقة أن انخفاض عدد السفن المرصودة لا يعني أن تدفقات الطاقة تراجعت بالنسبة نفسها.
محللو ماكواري (Macquarie) قدروا أن تدفقات الخام والمكثفات والمنتجات المكررة عبر هرمز ربما تجاوزت 7.5 ملايين برميل يومياً منذ استئناف القتال في 30 أغسطس، ما يشير إلى أن العلاقة بين الأخبار الأمنية وحجم التدفقات الفعلية أصبحت أقل مباشرة.
بعض المنتجين يستخدمون سفناً أكبر، وطرقاً لوجستية بديلة، وعمليات نقل بين السفن، بينما يمكن لبعض الناقلات المرور دون إشارات تتبع ظاهرة.
🔮 نظرة مُركّب: الرقم الأهم ليس عدد السفن وحده، بل كمية النفط التي تصل فعلياً إلى السوق. ولهذا فإن انخفاض حركة الملاحة لا يترجم آلياً إلى نقص مماثل في البراميل. السوق ستراقب التدفقات الفعلية والمخزونات ومواعيد التسليم أكثر من العناوين المتعلقة بعدد السفن فقط.
⛽ المشكلة الأكبر تنتقل من الخام إلى الديزل
رغم انخفاض أسعار النفط الأربعاء، بقيت أسواق المنتجات المكررة تحت ضغط شديد.
العقود الأوروبية لزيت الغاز، المستخدمة معياراً مهماً لتسعير الديزل، وصلت الثلاثاء إلى أعلى مستوى لها خلال التعاملات منذ أبريل قبل أن تسجل إغلاقاً قياسياً، ثم تراجعت بصورة محدودة الأربعاء.
المشكلة هنا مختلفة عن سوق الخام.
أوروبا فقدت جزءاً مهماً من إمدادات الديزل ووقود الطائرات القادمة من الشرق الأوسط، بينما أدت الاضطرابات التي أصابت المصافي الروسية إلى تقليص إمدادات إضافية.
وفي آسيا أصبحت الصورة أكثر حدة؛ إذ تجاوز هامش تكرير الديزل منخفض الكبريت $87 للبرميل، وهو أعلى مستوى مسجل، مقارنة بنحو $22 للبرميل قبل الحرب.
هذا يعني أن المصافي تحصل على علاوة ضخمة لتحويل النفط الخام إلى ديزل، وهي إشارة مباشرة إلى أن السوق تعاني نقصاً في المنتج النهائي وليس الخام وحده.
وفي الولايات المتحدة تجاوز متوسط سعر الديزل الوطني $6 للغالون للمرة الأولى، ما يزيد حساسية التضخم تجاه أزمة الطاقة.
🔮 نظرة مُركّب: هذه نقطة محورية. انخفاض خام برنت أو غرب تكساس يومياً لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار الوقود. إذا بقيت طاقة التكرير والإمدادات المكررة محدودة، يمكن أن ينخفض الخام بينما يظل الديزل مرتفعاً. ولهذا أصبحت هوامش التكرير مؤشراً لا يقل أهمية عن سعر برميل النفط نفسه.
🇷🇺 روسيا تضيف ضغطاً آخر إلى سوق الديزل
المشكلة لا تأتي من الشرق الأوسط وحده.
تضررت عدة مصافٍ روسية خلال الصراع المستمر في شرق أوروبا، ما قلص قدرة روسيا على توفير المنتجات المكررة للأسواق الخارجية.
وفي الوقت نفسه، قررت الحكومة الروسية تمديد القيود المفروضة على صادرات الديزل من المنتجين حتى نهاية أكتوبر، وفق تقرير نقلته رويترز عن صحيفة فيدوموستي (Vedomosti) نقلاً عن مصادر مطلعة.
هذه القيود تأتي في وقت تحتاج فيه السوق العالمية إلى مزيد من الديزل، وليس أقل.
ولهذا فإن عودة تدفقات الخام السعودية جزئياً لا تحل المشكلة الأساسية في سوق الوقود. يمكن أن تكون هناك كميات كافية نسبياً من النفط الخام عالمياً، لكن إذا لم تتوفر القدرة على تكريره وتحويله إلى ديزل ووقود طائرات ومنتجات أخرى بالمعدلات المطلوبة، ستظل أسعار المنتجات النهائية مرتفعة.
🔮 نظرة مُركّب: سوق الطاقة الحالية ليست أزمة سلعة واحدة. الخام والنقل البحري والتكرير والديزل أصبحت حلقات منفصلة نسبياً في سلسلة الإمداد. تحسن إحدى الحلقات لا يضمن تحسن البقية، ولذلك يمكن أن تهبط أسعار النفط بينما تبقى تكاليف الوقود مرتفعة.
🇺🇸 المخزونات الأمريكية تضيف ضغطاً هبوطياً على الخام
العامل الآخر الذي ضغط على النفط الأربعاء جاء من الولايات المتحدة.
أظهرت بيانات معهد البترول الأمريكي (API – American Petroleum Institute)، وفق مصادر السوق، ارتفاع مخزونات الخام الأمريكية بنحو 7.1 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 11 سبتمبر.
المفاجأة كانت كبيرة لأن استطلاعاً للمحللين كان يتوقع انخفاض المخزونات بنحو 1.6 مليون برميل.
كما ارتفعت مخزونات البنزين والمقطرات.
وبالتالي حصل السوق على عاملين هبوطيين في الوقت نفسه: السعودية أظهرت قدرة على توفير مزيد من الخام عبر مسارات بديلة، بينما ارتفعت المخزونات الأمريكية بدلاً من الانخفاض المتوقع.
لكن زيادة المخزونات الأمريكية الأسبوعية لا تلغي ضيق سوق الطاقة العالمية. فالأسعار الفعلية لبعض شحنات الخام الأوروبية تجاوزت $130 للبرميل الثلاثاء مع اندفاع المشترين للبحث عن بدائل للإمدادات المتضررة، بينما وصل خام Forties من بحر الشمال إلى نحو $136.75 للبرميل.
🔮 نظرة مُركّب: المخزونات الأمريكية تمنح النفط سبباً للتراجع على المدى القصير، لكنها لا تحل الاختناق العالمي في الإمدادات. استمرار الفجوة بين العقود الآجلة وأسعار بعض الشحنات الفعلية يوضح أن الحصول على البراميل المناسبة وفي المكان والوقت المناسبين لا يزال مكلفاً.
🔭 النظرة المستقبلية
المسار المقبل للنفط يعتمد أولاً على قدرة السعودية على الحفاظ على الصادرات عبر البدائل اللوجستية إلى أن يعود خط شرق–غرب للعمل بصورة طبيعية.
ثانياً، ستكون التدفقات الفعلية عبر مضيق هرمز أكثر أهمية من عدد السفن المرصودة وحده. استمرار تدفق ملايين البراميل يومياً سيخفف علاوة المخاطر، بينما أي تراجع ملموس في الكميات الفعلية قد يعيد الأسعار للارتفاع بسرعة.
ثالثاً، تبقى سوق الديزل الحلقة الأكثر حساسية. استمرار القيود الروسية واضطراب إمدادات الشرق الأوسط يعني أن أسعار المنتجات المكررة يمكن أن تظل مرتفعة حتى لو تراجعت أسعار الخام.
وأخيراً، ستراقب السوق بيانات المخزونات الأمريكية الرسمية بعد الزيادة الكبيرة التي أظهرتها تقديرات API، لمعرفة ما إذا كان تراكم المخزون يمثل تحولاً حقيقياً في توازن العرض والطلب الأمريكي أم مجرد حركة أسبوعية مؤقتة.
🧾 خلاصة مُركّب: الخام يتنفس قليلاً.. لكن أزمة الوقود لم تنتهِ
تراجعت عقود خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil Futures) إلى $107.06 للبرميل، وهبطت عقود خام غرب تكساس الوسيط (CL=F – WTI Crude Oil Futures) إلى $103.23، بعدما خففت الشحنات السعودية الإضافية عبر عُمان المخاوف من فقدان كميات أكبر من الإمدادات.
الإيجابيات: السعودية أظهرت مرونة في إعادة توجيه الخام، والتدفقات الفعلية عبر هرمز تبدو أكثر صموداً مما يوحي به انخفاض عدد السفن المرصودة، كما أن المخزونات الأمريكية ارتفعت بنحو 7.1 ملايين برميل بدلاً من الانخفاض المتوقع بنحو 1.6 مليون برميل.
لكن: حركة الملاحة في هرمز لا تزال منخفضة جداً، وخط الأنابيب السعودي إلى البحر الأحمر لا يزال متضرراً، والديزل الأوروبي يتداول قرب مستويات قياسية، بينما تجاوزت هوامش تكرير الديزل الآسيوية $87 للبرميل وتستمر روسيا في تقييد صادرات الوقود.
لذلك، هبوط النفط اليوم يمثل تراجعاً في علاوة الخوف أكثر من كونه نهاية لأزمة الطاقة. السوق حصلت على مزيد من البراميل، لكنها لم تحصل بعد على ما يكفي من الديزل.
🔍 للمستثمر الذكي فقط
في مُركّب+، لا نطارد الأخبار العشوائية.
نحن نحلّل الشركات عبر فلاتر الجودة التي تميز بين “الشركات التي تصنع الضجيج” و”الشركات التي تصنع القيمة”، وعبر فلاتر الشريعة التي تضمن أن قراراتك الاستثمارية نظيفة وواعية.
📊 لأن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على الحظ، بل على الانضباط، والمعايير، والفهم العميق لما تشتريه ولماذا.
🎯 اشترك الآن في مُركّب+ لتصل إلى الشركات الأعلى جودة والأكثر توافقًا مع قيمك، وتتعلم كيف تستثمر بذكاء… لا بعشوائية.




