تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية يوم الجمعة بعد أن جاءت بيانات التضخم لشهر أغسطس دون مفاجأة أكبر من المتوقع، مانحة سوق السندات استراحة مؤقتة بعد موجة بيع عالمية دفعت عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى حافة مستوى 5%.
أظهر مؤشر أسعار المستهلك (CPI – Consumer Price Index) ارتفاعاً شهرياً بنسبة 0.4% خلال أغسطس، بينما استقر التضخم السنوي عند 3.4%، وهو نفس مستوى يوليو. وبعد صدور البيانات، تراجع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بنحو نقطة أساس واحدة إلى 4.93%، بعدما لامس في وقت سابق 4.979%، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر 2023.
وفي المقابل، ارتفعت مؤشرات الأسهم الأمريكية بنحو 1% أو أكثر، في إشارة إلى أن المستثمرين اعتبروا غياب مفاجأة تضخمية أكبر سبباً كافياً لالتقاط الأنفاس، حتى لو بقيت الضغوط الأساسية على سوق السندات مرتفعة.
📉 تراجع العوائد لا يعني انتهاء موجة البيع
التحرك الأبرز جاء في عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، الذي ابتعد قليلاً عن مستوى 5% بعد بيانات التضخم.
الأسواق كانت تستعد لاحتمال قراءة أكثر سخونة قد تدفع العوائد إلى اختراق هذا المستوى، لكن بقاء التضخم السنوي عند 3.4% حال دون حدوث تصعيد أكبر فوراً.
ووصف بعض المشاركين في السوق الحركة بأنها نوع من الارتياح؛ فالتضخم لم يقفز فوق التوقعات، ما خفف الضغط على السندات والأسهم في الوقت نفسه.
لكن هذا التراجع يظل محدوداً مقارنة بحجم الحركة التي شهدتها العوائد خلال الأسبوع.
فالعائد لأجل 10 سنوات ما يزال قريباً جداً من مستوى 5%، ما يعني أن تكلفة الاقتراض طويلة الأجل تبقى مرتفعة بالنسبة للشركات والمستهلكين وأسواق الإسكان.
🔮 نظرة مُركّب: الانخفاض إلى 4.93% إيجابي تكتيكياً، لكنه لا يغير الاتجاه الأكبر. السوق لم ينتقل من التشدد إلى التيسير؛ بل ابتعد فقط مؤقتاً عن مستوى قد يصبح حساساً جداً للأسهم إذا تم اختراقه والثبات فوقه.
🏦 الفيدرالي ما يزال تحت ضغط رغم هدوء العوائد
بيانات CPI لم تقضِ على احتمالات رفع الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي (Fed – Federal Reserve) القادم.
فحتى مع تراجع العوائد بعد صدور البيانات، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً مهماً لرفع الفائدة، بينما يفضل بعض المستثمرين سيناريو التثبيت وانتظار المزيد من البيانات.
المشكلة أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يعمل عملياً كضريبة غير مباشرة على الشركات والمستهلكين، ويزيد صعوبة مهمة الفيدرالي في إعادة التضخم نحو هدف 2%.
وهنا يظهر التناقض الأساسي: بيانات التضخم لم تكن كارثية، لكنها أيضاً لم تكن ضعيفة بما يكفي لإزالة خطر المزيد من التشديد النقدي.
🔮 نظرة مُركّب: تراجع عوائد السندات لا ينبغي قراءته على أنه تحول في توقعات السياسة النقدية. ما يزال الفيدرالي أمام تضخم أعلى من الهدف، بينما تبقى الطاقة عاملاً قد يعيد الضغط على الأسعار خلال الأشهر المقبلة.
💵 وزارة الخزانة تحاول تهدئة الطرف الطويل من السوق
في ظل ارتفاع العوائد طويلة الأجل، تحركت وزارة الخزانة الأمريكية لدعم استقرار السوق.
وجّه وزير الخزانة سكوت بيسنت (Scott Bessent) إلى توسيع برنامج إعادة شراء السندات طويلة الأجل، مع إنفاق لا يقل عن $4 مليارات.
جاء ذلك في وقت وصلت فيه عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ 2007.
لكن المشكلة أعمق من مجرد تقلب يومي في الأسعار.
المستثمرون ما يزالون قلقين بشأن اتساع العجز المالي الأمريكي، واستمرار تدفق إصدارات الدين الحكومي والشركات، إضافة إلى تجاوز الدين الأمريكي حاجز $40 تريليون.
كلما زاد حجم السندات المعروضة للبيع دون توسع مماثل في قاعدة المشترين، احتاج السوق إلى عوائد أعلى لجذب الطلب.
🔮 نظرة مُركّب: برامج إعادة الشراء قد تساعد على تحسين السيولة وتقليل بعض التشوهات، لكنها لا تحل المشكلة الأساسية المتعلقة بحجم الإصدار والعجز. لذلك يبقى الاتجاه طويل الأجل للعوائد مرتبطاً بالمالية العامة بقدر ارتباطه بالتضخم والفيدرالي.
🌍 موجة بيع السندات أصبحت عالمية
الضغط لا يقتصر على الولايات المتحدة.
ارتفعت عوائد السندات المرجعية لأجل 10 سنوات عبر دول G7 بمتوسط يقارب 19 نقطة أساس خلال الأسبوع، في أكبر زيادة أسبوعية منذ بداية الحرب مع إيران.
وفي أوروبا، ارتفعت عوائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى مستويات لم تُشاهد منذ 2011.
أما العوائد الفرنسية، فصعدت إلى قرابة 4.46%، وهو مستوى يعود إلى 2008.
هذا الانتشار العالمي يعكس أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسياسة النقدية الأمريكية، بل أيضاً بمزيج من التضخم، ارتفاع أسعار الطاقة، القلق المالي، وزيادة حجم إصدارات الدين في الاقتصادات الكبرى.
وتسارعت موجة البيع في وقت سابق من الأسبوع عندما ارتفعت أسعار النفط بقوة مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط.
🔮 نظرة مُركّب: عندما ترتفع العوائد في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان في الوقت نفسه، يصبح الضغط على تقييمات الأصول عالمياً. وهذا يقلل قدرة الأسهم على الاعتماد على بيئة نقدية مريحة كما حدث في فترات سابقة.
🛢️ تراجع النفط وفر متنفساً.. لكنه ما يزال فوق 100 دولار
ساعد انخفاض النفط يوم الجمعة في تخفيف الضغط على العوائد.
بعد تجاوز خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil) مستوى $108 للبرميل يوم الخميس، تراجع بنحو 3% ليستقر قرب $104.
هذا الانخفاض مهم لأن ارتفاع النفط كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الأسواق إلى رفع توقعات التضخم خلال الأسبوع.
لكن بقاء برنت فوق $100 يعني أن الخطر لم يختف.
إذا عادت الأسعار إلى الارتفاع بسبب تطورات جديدة في الشرق الأوسط، فقد تعود توقعات التضخم إلى الارتفاع سريعاً، وهو ما سيضع السندات مجدداً تحت ضغط.
🔮 نظرة مُركّب: النفط أصبح حالياً واحداً من أهم المتغيرات التي تربط بين الجغرافيا السياسية والتضخم والسندات والأسهم. كل انخفاض في النفط يريح السوق، لكن كل عودة فوق القمم الأخيرة قد تعيد سيناريو العائد فوق 5% بسرعة.
⚠️ لماذا مستوى 5% مهم للأسهم؟
الخطر الأكبر أمام الأسهم هو أن يتجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مستوى 5% ويستقر فوقه.
عند هذه النقطة، تصبح السندات أكثر قدرة على منافسة الأسهم على رؤوس الأموال.
فالمستثمر الذي يستطيع الحصول على عائد يقارب 5% من أصل حكومي قد يصبح أقل استعداداً لدفع مضاعفات مرتفعة لأسهم النمو، خصوصاً إذا كانت توقعات الأرباح غير مؤكدة.
وأشار محللون إلى أن العوائد تقترب بالفعل من مستويات يمكن عندها أن تبدأ أسواق الأسهم في مواجهة ضغوط أكبر.
كما أن موجة الإقبال على المخاطر نفسها أظهرت علامات ضعف، بعد 108 أيام متتالية من زيادة تعرض المستثمرين للأصول الخطرة قبل أن تنكسر هذه السلسلة خلال الأسبوع الحالي.
🔮 نظرة مُركّب: مستوى 5% ليس رقماً سحرياً، لكنه يمثل منطقة نفسية ومالية مهمة. كلما بقي العائد فوقها لفترة أطول، زادت المنافسة بين السندات والأسهم، وارتفعت الضغوط على التقييمات خصوصاً في التكنولوجيا وأسهم النمو.
🔭 النظرة المستقبلية
الهدوء الذي شهدته سوق السندات بعد بيانات التضخم يبقى هشاً.
العائد لأجل 10 سنوات تراجع من 4.979% إلى قرب 4.93%، لكن الفارق بين المستوى الحالي وحاجز 5% لا يزال صغيراً.
المسار القادم سيتحدد بدرجة كبيرة عبر أسعار الطاقة، قرار الفيدرالي، وتطورات سوق الدين الأمريكي.
إذا استمر النفط في التراجع وهدأت توقعات التضخم، فقد تنخفض العوائد تدريجياً وتمنح الأسهم مساحة أكبر للارتفاع.
أما إذا عادت أسعار الطاقة إلى الصعود أو بقي التضخم مرتفعاً، فقد يصبح اختبار 5% مسألة وقت، وعندها ستواجه الأسهم اختباراً أكثر صعوبة.
🧾 خلاصة مُركّب: السندات تلتقط أنفاسها.. لكن أزمة العوائد لم تنتهِ
الإيجابيات:
عائد 10 سنوات تراجع إلى نحو 4.93%.
بيانات CPI لم تتجاوز التوقعات بشكل حاد.
الأسهم الأمريكية ارتفعت بأكثر من 1% بعد البيانات.
خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil) تراجع بنحو 3% إلى قرب $104.
وزارة الخزانة توسع برنامج إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
لكن:
عائد 10 سنوات لامس 4.979%، قريباً جداً من حاجز 5%.
عوائد 30 عاماً وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ 2007.
الدين الأمريكي تجاوز $40 تريليون.
موجة بيع السندات امتدت عبر دول G7.
العوائد الألمانية وصلت إلى مستويات لم تُشاهد منذ 2011.
العوائد الفرنسية اقتربت من 4.46%، الأعلى منذ 2008.
سوق النفط ما يزال فوق $100، ما يبقي مخاطر التضخم مرتفعة.
الخلاصة أن انخفاض العوائد يوم الجمعة يمثل هدنة، لا نهاية للمشكلة. السوق ما يزال يواجه مزيجاً صعباً من تضخم مرتفع، إصدارات ديون ضخمة، مخاطر مالية وتصعيد في أسعار الطاقة.
وإذا اخترق عائد 10 سنوات مستوى 5% واستقر فوقه، فقد تتحول السندات من مجرد مصدر ضغط على الأسهم إلى منافس مباشر لها على رأس المال.
🔍 للمستثمر الذكي فقط
في مُركّب+، لا نطارد الأخبار العشوائية.
نحن نحلّل الشركات عبر فلاتر الجودة التي تميز بين “الشركات التي تصنع الضجيج” و”الشركات التي تصنع القيمة”، وعبر فلاتر الشريعة التي تضمن أن قراراتك الاستثمارية نظيفة وواعية.
📊 لأن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على الحظ، بل على الانضباط، والمعايير، والفهم العميق لما تشتريه ولماذا.
🎯 اشترك الآن في مُركّب+ لتصل إلى الشركات الأعلى جودة والأكثر توافقًا مع قيمك، وتتعلم كيف تستثمر بذكاء… لا بعشوائية.




