ثورة صامتة: العملات المستقرة تتحول إلى الدائن الخفي لأميركا
من Tether إلى Circle، عملات الكريبتو المقيدة بالدولار تتحول من مجرد أداة دفع إلى ممولي الدين الأميركي… في وقت يتراجع فيه دور الصين واليابان.
📌 مركّب – 25 أغسطس 2025
في لحظة فارقة للأسواق المالية العالمية، بدأت العملات المستقرة (Stablecoins) – وهي عملات رقمية مرتبطة بالدولار الأميركي – تتحول من أداة دفع في عالم الكريبتو إلى لاعب استراتيجي في سوق السندات الأميركية، السوق الأكثر أهمية في العالم والذي يُقدّر بتريليونات الدولارات.
بينما يتجاوز الدين العام الأميركي 37 تريليون دولار، بدأت وزارة الخزانة الأميركية تجد في هذه العملات الرقمية مصدرًا جديدًا للطلب على سندات الخزانة قصيرة الأجل (T-bills)، وهو ما قد يعيد تشكيل ميزان القوى في أسواق الدين العالمية.
ما هي العملات المستقرة؟
العملات المستقرة هي رموز رقمية (Tokens) صُممت لتتبع قيمة أصل تقليدي مثل الدولار الأميركي.
على عكس البيتكوين (Bitcoin) أو الإيثريوم (Ethereum) التي تشهد تقلبات حادة في أسعارها، فإن العملات المستقرة تحافظ على قيمة ثابتة تقريبًا، غالبًا 1 دولار لكل عملة مستقرة.
يتم تحقيق ذلك من خلال الاحتياطيات: على المصدرين أن يحتفظوا بما يعادل قيمة العملات المصدرة نقدًا أو في أصول آمنة مثل سندات الخزانة الأميركية.
أبرز اللاعبين: Tether وCircle
🔹 Tether (USDT)
تأسست عام 2014.
تعتبر العملة المستقرة الأكثر استخدامًا عالميًا، خصوصًا في الأسواق الناشئة حيث يصعب الحصول على الدولار.
تبلغ حصتها السوقية حوالي 65% من إجمالي سوق العملات المستقرة.
تحتفظ باحتياطيات ضخمة في شكل سندات خزانة أميركية قصيرة الأجل، ما يجعلها بين كبار المشترين للديون الأميركية.
🔹 Circle (USDC)
شركة أميركية أطلقت USD Coin (USDC) عام 2018.
اشتهرت بتبنيها المعايير التنظيمية الأميركية، ما منحها سمعة "الأكثر أمانًا" بين العملات المستقرة.
استحوذت على حوالي 25% من السوق.
طرحت أسهمها للاكتتاب العام (IPO) في 2025، لتصبح من أوائل شركات العملات المستقرة المدرجة في البورصة.
GENIUS Act: نقطة التحول
في يوليو 2025، وقّع الرئيس دونالد ترامب قانونًا جديدًا يُعرف باسم GENIUS Act.
ما أهميته؟
لأول مرة، تم إنشاء إطار تنظيمي واضح للعملات المستقرة.
يلزم القانون المصدرين بدعم كل عملة مستقرة بالدولار أو بأصول عالية السيولة مثل سندات الخزانة قصيرة الأجل.
الهدف: تقليل المخاطر، وتعزيز الثقة، وربط العملات المستقرة مباشرة بالمالية العامة الأميركية.
كما قال محللو HSBC: «سوق العملات المستقرة المنظم جيدًا يمكن أن يعزز هيمنة الدولار الأميركي في عالم التمويل الرقمي».
سوق في طور الانفجار
حاليًا، يبلغ حجم سوق العملات المستقرة نحو 250 مليار دولار، لكنه مرشح لنمو هائل:
Coinbase تتوقع وصوله إلى 1.2 تريليون دولار بحلول 2028.
Standard Chartered ترفع التقدير إلى 2 تريليون دولار.
Bernstein تتحدث عن احتمال بلوغه 4 تريليونات دولار بحلول 2035.
مقارنة مع المشترين التقليديين
حالياً، يحتفظ مصدرو العملات المستقرة بحوالي 125 مليار دولار من سندات الخزانة، أي أقل من 2% من إجمالي السوق.
للمقارنة:
صناديق الاستثمار المشترك (Mutual Funds): 4.5 تريليون دولار.
شركات التأمين: حوالي خمسة أضعاف ما تحتفظ به العملات المستقرة.
لكن الاتجاه واضح: بينما تقلص الصين واليابان حيازاتهما، تدخل العملات المستقرة كبديل محتمل.
في 2024، أصبحت Tether سابع أكبر مشترٍ لسندات الخزانة، بينما كانت الصين واليابان بين أكبر البائعين.
لماذا يهم هذا سوق السندات؟
وفقًا لدراسة BIS، فإن تدفقًا قدره 3.5 مليار دولار من العملات المستقرة يمكن أن يخفض عوائد سندات الخزانة القصيرة الأجل (3 أشهر) بنحو 2–2.5 نقطة أساس خلال 10 أيام فقط.
مع توسع السوق إلى تريليونات، سيكون للطلب من العملات المستقرة أثر مباشر على عوائد السندات وعلى جدول إصدار الدين الحكومي.
الآثار الجانبية المحتملة
🔸 على البنوك:
التحويلات الكبيرة من الودائع البنكية إلى العملات المستقرة تعني تراجع أرصدة البنوك.
النتيجة: انخفاض قدرتها على الإقراض وتقليص احتياطياتها.
🔸 على السياسات النقدية:
قد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مضطرًا لأخذ العملات المستقرة في الحسبان عند تحديد السيولة والنظام المالي.
البُعد الجيوسياسي
حصة أكبر دائني الولايات المتحدة الأجانب (الصين، اليابان، كندا) انخفضت من 23% قبل 13 سنة إلى 6% فقط اليوم.
سياسات الرسوم الجمركية الأميركية دفعت البنوك المركزية الأجنبية لتقليص حيازاتها.
هذا الفراغ قد تملؤه العملات المستقرة، لتصبح الركيزة الجديدة لتمويل الدين الأميركي.
لماذا يهم المستثمر الفردي؟
العملات المستقرة = أداة مالية ماكرو
لم تعد مجرد وسيلة للتداول في أسواق الكريبتو، بل أصبحت لاعبًا مؤثرًا في أسعار الفائدة.الطلب المتزايد على الدولار
كل توسع في العملات المستقرة يعزز دور الدولار كعملة احتياطية عالمية.فرص استثمارية غير مباشرة
شركات مثل Circle (المدرجة في البورصة) قد تصبح مستفيدة رئيسية من هذا النمو.
الخلاصة – مركّب
العملات المستقرة، التي بدأت كحل جانبي لعيوب البيتكوين، تتحول اليوم إلى مؤسسة مالية عالمية توازي في تأثيرها كبار حاملي الدين الأميركي.
خلال العقد القادم، قد نشهد أن تصبح Tether وCircle بين كبار ممولي الدين الأميركي، إلى جانب صناديق الاستثمار وصناديق التقاعد.
هذا التحول يعني أن المستثمر الفردي لم يعد يستطيع تجاهل العملات المستقرة؛ ليس فقط كأداة دفع، بل كقوة تعيد تشكيل سوق السندات والعوائد العالمية.
✦ من أين جاءت Tether؟
التأسيس: ظهرت أول مرة عام 2014 باسم Realcoin، أسسها Brock Pierce وReeve Collins وCraig Sellars.
التحول: تغيّر اسمها لاحقًا إلى Tether Limited.
الملكية: مملوكة لشركة iFinex Inc.، وهي نفس المجموعة المالكة لمنصة التداول Bitfinex.
المقر: مسجلة في جزر فيرجن البريطانية، مع إدارة تشغيلية من هونغ كونغ.
الجدل: واجهت الشركة انتقادات بسبب ضعف الشفافية حول الاحتياطيات، ودفعت غرامة قدرها 41 مليون دولار لهيئة تداول السلع الأميركية في 2021.
الوضع الحالي: بفضل القانون الأميركي الجديد GENIUS Act، أصبحت ملزمة بتقديم تقارير أكثر شفافية حول احتياطياتها، ومعظمها اليوم سندات خزانة أميركية قصيرة الأجل.
📖 Glossary – دليل المصطلحات
Stablecoins (العملات المستقرة): عملات رقمية مصممة للحفاظ على قيمة ثابتة، غالبًا مرتبطة بالدولار الأميركي بنسبة 1:1.
Tether (USDT): أكبر عملة مستقرة في العالم من حيث القيمة السوقية، تُستخدم على نطاق واسع في الأسواق الناشئة.
Circle (USDC): شركة أميركية تصدر عملة مستقرة مدعومة بالكامل بالدولار، معروفة بامتثالها التنظيمي.
Treasury Bills (T-bills): سندات دين حكومية قصيرة الأجل تصدرها وزارة الخزانة الأميركية لتمويل الدين العام.
GENIUS Act: قانون أميركي صدر عام 2025 ينظم سوق العملات المستقرة ويُلزم بدعمها بأصول آمنة.
BIS (Bank for International Settlements): بنك التسويات الدولية، مؤسسة مالية عالمية مقرها سويسرا تُصدر أبحاثًا حول الاستقرار المالي.
Coinbase: أكبر بورصة عملات رقمية في الولايات المتحدة، تقدم خدمات تداول وأبحاث.
Mutual Funds (صناديق الاستثمار المشترك): أدوات استثمار جماعية تجمع أموال المستثمرين لشراء مجموعة من الأسهم أو السندات.
IPO (Initial Public Offering): الطرح العام الأولي، أي إدراج أسهم شركة لأول مرة في البورصة.