الفيدرالي يثبت الفائدة للمرة الثالثة: ضغوط التضخم النفطي… وانتقال القيادة يقترب
في قرار كان متوقعًا على نطاق واسع، أعلن الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة للمرة الثالثة على التوالي خلال عام 2026، ليُبقي النطاق المستهدف عند 3.5% – 3.75%، في خطوة تعكس حالة الترقب التي يعيشها صانعو السياسة النقدية وسط بيئة اقتصادية مضطربة يقودها ارتفاع التضخم الناتج عن صدمة أسعار الطاقة.
القرار جاء بالإجماع تقريبًا، لكنه لم يكن خاليًا من الانقسامات، حيث شهد اعتراض 4 أعضاء داخل لجنة السوق المفتوحة (FOMC). أحدهم، ستيفن ميران (Stephen Miran)، صوّت لصالح خفض الفائدة بمقدار 0.25%، بينما عارض ثلاثة أعضاء الصياغة التي ألمحت إلى إمكانية التيسير في المستقبل، ما يعكس جدلًا داخليًا حقيقيًا حول الاتجاه القادم للسياسة النقدية.
الفيدرالي برّر قراره بالإشارة إلى “مستوى مرتفع من عدم اليقين”، خصوصًا مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتأثيرها المباشر على أسعار الطاقة. البيان الرسمي أقرّ بأن التضخم لا يزال “مرتفعًا”، مدفوعًا بزيادة أسعار النفط والغاز عالميًا، وهو ما انعكس بالفعل في بيانات مؤشر أسعار المستهلكين، الذي سجل 3.3% في مارس، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 3.9% في أبريل.
هذه القفزة في التضخم ترتبط بشكل مباشر بارتفاع أسعار الوقود، حيث بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة نحو 4.23 دولار للغالون، بزيادة تقارب 1.25 دولار منذ بداية الحرب، ما بدأ يضغط على القوة الشرائية للمستهلكين ويؤثر على قرارات الإنفاق، خاصة على السلع الكبيرة والخدمات الترفيهية.
ورغم هذه الضغوط، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يُظهر قدرًا من التماسك، لكن مع إشارات واضحة على التباطؤ. سوق العمل، الذي كان أحد أعمدة القوة، بدأ يظهر علامات عدم استقرار، مع نمو غير متوازن في الوظائف، وتسريحات في بعض القطاعات، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي كعامل جديد في إعادة تشكيل سوق العمل.
في هذا السياق، يراقب الفيدرالي عن كثب أي تغير في سوق العمل، حيث إن ضعف التوظيف قد يكون العامل الحاسم الذي يدفعه نحو خفض الفائدة لاحقًا. لكن حتى الآن، لا يزال الموقف الرسمي يميل إلى الحذر، مع اعتبار أن مخاطر التضخم أعلى من مخاطر التباطؤ الاقتصادي.
الأسواق بدورها بدأت تعيد تسعير التوقعات، حيث تراجعت احتمالات خفض الفائدة خلال هذا العام بشكل كبير، لتصبح أقل من 25%، مع تزايد القناعة بأن الفيدرالي قد يبقي السياسة النقدية مشددة حتى نهاية 2026، وربما أبعد من ذلك إذا استمرت الضغوط التضخمية.
في الخلفية، يتزامن هذا القرار مع تحول مهم في قيادة الفيدرالي. إذ يُتوقع أن يكون هذا الاجتماع الأخير لـ جيروم باول (Jerome Powell) كرئيس، مع اقتراب انتهاء ولايته في 15 مايو 2026، خاصة بعد أن تقدمت عملية تثبيت كيفن وورش (Kevin Warsh)، مرشح دونالد ترامب (Donald Trump)، خطوة إضافية نحو التصويت النهائي في مجلس الشيوخ.
لكن باول لن يغادر المشهد بالكامل، حيث أكد أنه سيبقى عضوًا في مجلس الاحتياطي الفيدرالي لفترة “غير محددة”، ما يعني استمرار تأثيره داخل المؤسسة حتى بعد انتهاء ولايته كرئيس.
في النهاية، يقف الفيدرالي اليوم في موقع معقد: تضخم مدفوع بعوامل خارجية، اقتصاد لا يزال صامدًا، وسوق عمل متغير. القرار بالتثبيت قد يبدو بسيطًا، لكنه في الواقع يعكس توازنًا دقيقًا بين مخاطر متعددة، في لحظة انتقال قيادي قد تعيد رسم مسار السياسة النقدية بالكامل.
🧭 خلاصة مركّب: الفيدرالي لا يتحرك لأنه لا يستطيع، لا لأنه لا يريد. التضخم المرتبط بالطاقة قيّد قراراته، وسحب منه مرونة المناورة. ومع انتقال القيادة إلى وورش، السوق لا يترقب القرار القادم فقط… بل “فلسفة” الفيدرالي القادمة بالكامل.




