أنهت الأسواق العالمية سبتمبر بصورة تعكس تحولًا مهمًا في البيئة الاستثمارية: السندات الحكومية تعرضت لموجة بيع حادة، وعوائد الاقتراض قفزت إلى مستويات مرتفعة، والأسهم فقدت جزءًا من زخمها، بينما سجل النفط مكاسب شهرية قوية.
كان مركز الضغط في سوق السندات الأمريكية، حيث ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بنحو 53 نقطة أساس خلال سبتمبر، في أكبر زيادة شهرية منذ سبتمبر 2022. وعلى مستوى الربع الثالث، سجل العائد أكبر ارتفاع فصلي منذ 2009.
وفي أوروبا، لم تكن الصورة أفضل. شهدت السندات الفرنسية ضغوطًا استثنائية، بينما اتسع الفارق بين تكاليف الاقتراض الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2012.
أما الأسهم، فأنهى S&P 500 (SPX – S&P 500) سبتمبر على تراجع، لكنه تمكن رغم ذلك من تسجيل ثاني مكاسب فصلية متتالية. وفي أوروبا، أنهى STOXX 600 أول شهر سلبي له منذ 6 أشهر.
في المقابل، كان النفط أحد أكبر الرابحين، إذ ارتفع خام برنت بنحو 14% خلال سبتمبر، بينما تقدم خام غرب تكساس الوسيط بنحو 5%.
الرسالة التي أرسلتها الأسواق في نهاية الربع الثالث أصبحت أكثر وضوحًا: النمو المرتبط بالذكاء الاصطناعي يدعم الاقتصاد والأسهم، لكنه بالتزامن مع ارتفاع الطاقة والتضخم يزيد الضغوط على سوق السندات ويعزز فكرة بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
🔮 نظرة مُركّب: سبتمبر كشف عن معادلة جديدة للأسواق: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو والأرباح، لكنه في الوقت نفسه يرفع الاستثمار والطلب على رأس المال، بينما تزيد الطاقة المرتفعة ضغوط التضخم. النتيجة هي اقتصاد أقوى من المتوقع، لكن مع عوائد سندات أعلى، وهذا يجعل البيئة أكثر تعقيدًا للأسهم بدل أن تكون إيجابية بصورة مطلقة.
📉 سبتمبر يتحول إلى شهر قاسٍ على السندات
كانت سوق السندات هي مركز التقلبات خلال الشهر.
ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 53 نقطة أساس خلال سبتمبر، مسجلًا أكبر ارتفاع شهري منذ سبتمبر 2022.
كما ارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا بنحو 39 نقطة أساس خلال الشهر، وهي أكبر زيادة منذ ديسمبر 2024.
وبما أن أسعار السندات تتحرك عكسيًا مع العوائد، فإن هذه التحركات تعني خسائر واضحة لحاملي السندات.
وعلى مستوى الربع الثالث، كان الضغط أكثر لفتًا للانتباه، إذ سجل عائد سندات 10 سنوات أكبر ارتفاع فصلي منذ 2009.
هذه التحركات لم تكن نتيجة عامل واحد، بل مزيج من ارتفاع تكاليف الطاقة، والمخاوف من استمرار التضخم، وقوة النشاط الاقتصادي، والاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وكل ذلك دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المدة التي قد تبقى فيها أسعار الفائدة مرتفعة.
🔮 نظرة مُركّب: ارتفاع عائد 10 سنوات بمقدار 53 نقطة أساس خلال شهر واحد ليس حركة هامشية، بل إعادة تسعير كبيرة لتكلفة رأس المال. وإذا بقيت العوائد عند مستويات مرتفعة، فإن التأثير لن يبقى داخل سوق السندات، بل سينتقل تدريجيًا إلى الرهون العقارية وتمويل الشركات وتقييمات الأسهم.
⚡ الطاقة والذكاء الاصطناعي يجتمعان ضد السندات
أحد أكثر عناصر المشهد إثارة للاهتمام هو أن طفرة الذكاء الاصطناعي أصبحت تحمل تأثيرين متعاكسين على الأسواق.
من جهة، تدعم الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق والشبكات والبنية التحتية النمو الاقتصادي وأرباح الشركات.
لكن من جهة أخرى، فإن الإنفاق الاستثماري الهائل يساعد على إبقاء النشاط الاقتصادي قويًا ويزيد الطلب على الطاقة والتمويل ورأس المال.
ومع ارتفاع أسعار النفط والطاقة في الوقت نفسه، بدأت الأسواق تتعامل مع احتمال أن يبقى التضخم أعلى مما كان متوقعًا لفترة أطول.
وهذا دفع المستثمرين إلى تسعير بيئة فائدة أعلى لفترة أطول.
وتؤكد بيانات سبتمبر أن هذه المخاوف لم تكن محصورة في الولايات المتحدة، بل امتدت إلى أوروبا وعدة أسواق سندات رئيسية.
🔮 نظرة مُركّب: طفرة الذكاء الاصطناعي ليست إيجابية تلقائيًا لكل الأصول. بالنسبة إلى الأسهم المرتبطة بالبنية التحتية، يمكن أن تكون محركًا للنمو. أما بالنسبة إلى السندات، فإن اقتصادًا أقوى واستثمارات رأسمالية ضخمة يمكن أن تؤخر انخفاض العوائد. وهكذا يصبح المحرك نفسه إيجابيًا للأرباح وسلبيًا لتقييماتها عبر ارتفاع معدل الخصم.
🌡️ التضخم الأمريكي يأتي أقل من المتوقع
حصلت الأسواق يوم الأربعاء على بعض الراحة بعد صدور بيانات التضخم الأمريكية.
ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي PCE بنحو 0.3% خلال أغسطس، أقل من توقعات الاقتصاديين البالغة 0.4%، بينما جاءت ضغوط الأسعار في يوليو أكثر اعتدالًا مما كان مقدرًا سابقًا.
وعلى أساس سنوي، بلغ التضخم الأساسي 3.0%.
كانت ردة الفعل الأولية واضحة.
ارتفعت الأسهم، بينما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين مع انخفاض توقعات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر.
ووصف آدم سرهان (Adam Sarhan)، الرئيس التنفيذي لـ50 Park Investments، البيانات بأنها سمحت للسوق بالتقاط الأنفاس لأنها تخفف الضغط على الاحتياطي الفيدرالي للتحرك مجددًا.
لكن الارتياح لم يكن كافيًا لعكس اتجاه سوق السندات خلال الشهر.
🔮 نظرة مُركّب: قراءة تضخم واحدة أفضل من المتوقع تستطيع تغيير تسعير الاجتماع المقبل، لكنها لا تمحو ارتفاع العوائد المتراكم خلال شهر كامل. لكي تبدأ سوق السندات تحولًا حقيقيًا، يحتاج المستثمر إلى سلسلة من القراءات التي تؤكد تراجع التضخم وليس مجرد مفاجأة إيجابية لشهر واحد.
🏦 احتمالات تثبيت الفائدة ترتفع إلى 63%
أدت بيانات التضخم إلى تعديل توقعات السياسة النقدية.
بحسب بيانات السوق الواردة في التقرير، ارتفع احتمال أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل إلى نحو 63%، مقارنة بنحو 55% قبل صدور بيانات التضخم.
ويعني ذلك أن توقعات رفع الفائدة في أكتوبر انخفضت بصورة ملحوظة.
لكن هذا التحول يأتي بعد أن رفع الاحتياطي الفيدرالي نطاق الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر إلى 3.75%–4.00%، وهي أول زيادة منذ 2023.
وأوضح البنك المركزي عند اتخاذ القرار أن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية، وأن الإنفاق المحلي ظل متماسكًا والاستثمارات الرأسمالية قوية، في حين بقي التضخم مرتفعًا.
لذلك، فإن انخفاض احتمالات رفع أكتوبر لا يعني بالضرورة أن دورة التشديد انتهت، بل يعني أن السوق أصبح يرى مساحة أكبر للانتظار.
🔮 نظرة مُركّب: انتقال احتمال التثبيت إلى 63% يخفف الضغط قصير الأجل، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية للسندات. السوق لا يسعر فقط قرار أكتوبر، بل المسار الكامل للفائدة خلال السنوات المقبلة. ولهذا يمكن أن تتراجع احتمالات رفع قريب بينما تبقى عوائد السندات طويلة الأجل مرتفعة.
📈 الاقتصاد الأمريكي أقوى مما كان متوقعًا
في الوقت نفسه، جاءت مراجعة النمو الاقتصادي لتضيف عنصرًا آخر إلى المعادلة.
تم تعديل نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الثاني إلى معدل سنوي يبلغ 2.2%، مقارنة بالتقدير السابق البالغ 1.5%.
وجاء التحسن مدعومًا بإنفاق استهلاكي قوي واستثمارات ساعدت على تمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
هذه الأرقام جيدة من زاوية النمو الاقتصادي وأرباح الشركات.
لكن بالنسبة إلى سوق السندات، الاقتصاد الأقوى يعني أن الاحتياطي الفيدرالي يواجه ضغطًا أقل لتخفيف السياسة النقدية سريعًا.
وهنا يظهر التناقض الأساسي في السوق الحالية.
المستثمر في الأسهم يريد نموًا قويًا.
لكن المستثمر في السندات يريد نموًا وتضخمًا معتدلين بما يكفي لدفع الفائدة والعوائد إلى الانخفاض.
🔮 نظرة مُركّب: نمو الناتج المحلي الإجمالي عند 2.2% بدل 1.5% يقلل مخاطر التباطؤ الحاد، لكنه يضعف أيضًا الحجة التي تدعو إلى انخفاض سريع للفائدة. وهذا يفسر كيف يمكن للبيانات الاقتصادية الجيدة أن تكون داعمة للأسهم وفي الوقت نفسه مصدر ضغط على السندات.
🌍 التضخم الأوروبي يزيد الضغوط 🇪🇺
لم تكن الولايات المتحدة وحدها تواجه ضغوط الأسعار.
ارتفع التضخم بقوة في 5 ولايات ألمانية خلال سبتمبر.
وفي فرنسا، ارتفع معدل التضخم المنسق إلى 3.4% مقارنة بنحو 2.6% في أغسطس.
أما إيطاليا، فسجلت قفزة إلى 4.1% من 3.2% في أغسطس، مدفوعة بصورة كبيرة بارتفاع تكاليف الطاقة.
وهذا يعزز فكرة أن ارتفاع الطاقة يعيد إشعال ضغوط تضخمية في أكثر من اقتصاد رئيسي في الوقت نفسه.
بالنسبة إلى أسواق السندات، هذه ليست بيئة مريحة.
فكلما ارتفع التضخم، احتاج المستثمر إلى عائد اسمي أعلى لتعويض فقدان القوة الشرائية.
🔮 نظرة مُركّب: ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا بالتزامن يجعل موجة بيع السندات أكثر من مجرد قصة محلية. إذا بقيت الطاقة مرتفعة، قد تضطر البنوك المركزية إلى الحفاظ على سياسات أكثر تشددًا مما كانت الأسواق تتوقعه قبل أشهر قليلة.
🌍 السندات الفرنسية تسجل تحركات تاريخية 🇫🇷
كانت فرنسا واحدة من أبرز نقاط الضغط في سوق السندات الأوروبية.
سجل عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات أكبر ارتفاع شهري في نحو 4 سنوات.
أما على مستوى الربع، فكانت القفزة هي الأكبر في قرابة 4 عقود.
وفي الوقت نفسه، اتسع الفارق بين تكاليف الاقتراض الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2012.
هذا الفارق مهم لأنه يستخدم كمقياس للمخاطر الإضافية التي يطلبها المستثمرون لامتلاك الدين الفرنسي مقارنة بالسندات الألمانية التي تعد مرجعًا رئيسيًا داخل منطقة اليورو.
🔮 نظرة مُركّب: ارتفاع العوائد الفرنسية لا يتعلق فقط بمستوى الفائدة الأوروبية، بل أيضًا بعلاوة المخاطر التي يطلبها المستثمر. عندما يتسع الفارق مع ألمانيا إلى أعلى مستوى منذ 2012، فإن السوق يقول إن تكلفة تمويل فرنسا أصبحت تحتاج إلى تعويض أكبر من مجرد حركة عامة في أسعار الفائدة.
⚓ لماذا أصبحت عوائد السندات مهمة لكل الأسواق؟
عوائد السندات الحكومية ليست مجرد رقم يهم مستثمري الدخل الثابت.
إنها نقطة ارتكاز لأسعار الأصول حول العالم.
الشركات تصدر ديونها بعوائد مرتبطة بدرجات مختلفة بعائد السندات الحكومية.
القروض والرهون العقارية تتأثر بها.
والمستثمر يقارن عائد الأسهم والعقارات والائتمان والأصول الأخرى بما يمكن أن يحصل عليه من الدين الحكومي.
لذلك عندما ترتفع العوائد الحكومية بسرعة، ترتفع معها تكلفة رأس المال في النظام المالي بأكمله.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد عاملًا سلبيًا للأسهم، حتى إذا ظلت أرباح الشركات قوية.
🔮 نظرة مُركّب: كلما ارتفع “العائد الخالي نسبيًا من المخاطر”، ارتفع الحد الأدنى الذي يجب أن تقدمه بقية الأصول. لذلك لا تحتاج العوائد المرتفعة إلى التسبب في ركود حتى تضغط على الأسهم؛ يكفي أن تجعل السندات منافسًا أكثر جاذبية وتجبر المستثمر على المطالبة بعائد أعلى مقابل تحمل مخاطر الشركات.
📊 داو وS&P 500 يتراجعان بينما ناسداك يرتفع
أنهت الأسهم الأمريكية الجلسة بصورة متباينة.
انخفض داو جونز (DJI – Dow Jones Industrial Average) بنحو 443.87 نقطة أو 0.86% إلى 50,906.05 نقطة.
وتراجع S&P 500 (SPX – S&P 500) بنحو 19.30 نقطة أو 0.25% إلى 7,651.54 نقطة.
في المقابل، ارتفع ناسداك المركب (IXIC – Nasdaq Composite) بنحو 63.52 نقطة أو 0.24% إلى 26,861.06 نقطة.
ورغم تراجع S&P 500 خلال سبتمبر، فإنه تمكن من تسجيل ثاني مكاسب فصلية متتالية.
هذه المرونة في الأسهم تبرز بصورة أكبر عند مقارنتها بحجم الخسائر التي تعرضت لها السندات.
🔮 نظرة مُركّب: استمرار صمود ناسداك رغم القفزة الكبيرة في العوائد يعكس قوة أرباح ونمو شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لكن ارتفاع العوائد يرفع باستمرار الحاجز الذي يجب على النمو المستقبلي تجاوزه، ولذلك فإن قدرة التكنولوجيا على مقاومة سوق السندات ستعتمد في النهاية على استمرار نمو الأرباح الفعلية.
🌍 الأسهم العالمية تنهي سبتمبر على تراجع
لم يقتصر ضعف الأسهم على الولايات المتحدة.
انخفض مؤشر MSCI للأسهم العالمية بنحو 0.16% في الجلسة إلى 1,134 نقطة.
وعلى مستوى الشهر، سجل المؤشر تراجعًا بأكثر من 1%.
وفي أوروبا، انخفض مؤشر STOXX 600 بنحو 0.5% خلال الجلسة.
وأنهى سبتمبر منخفضًا بنحو 2.5%، بينما بلغت خسارته خلال الربع الثالث نحو 1%.
وكان هذا أول انخفاض شهري للأسهم الأوروبية منذ 6 أشهر.
وبالتالي، بينما تمكنت بعض أجزاء سوق الأسهم الأمريكية من مقاومة ارتفاع العوائد، كان الضغط أكثر وضوحًا في الأسواق الأوروبية والعالمية.
🔮 نظرة مُركّب: اختلاف أداء الأسهم بين المناطق يوضح أن ارتفاع العوائد لا يصيب جميع الأسواق بالقوة نفسها. الشركات الأمريكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمتلك محرك أرباح استثنائيًا، بينما الأسواق التي تفتقد هذا المحرك تصبح أكثر تعرضًا لتأثير ارتفاع تكلفة رأس المال وضعف النمو.
🛢️ النفط يحقق واحدًا من أقوى أشهره
في الوقت الذي عانت فيه السندات والأسهم، كان النفط أحد أكبر الرابحين.
ارتفع عقد نوفمبر من خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil Futures) بنحو $0.91 أو 0.9% في الجلسة، ليستقر عند $103.50 للبرميل.
أما عقد ديسمبر الأكثر نشاطًا فارتفع $1.87 أو 1.9% إلى $98.03.
وارتفع خام غرب تكساس الوسيط (CL=F – WTI Crude Oil Futures) بنحو $1.04 أو 1.2% ليستقر عند $90.42 للبرميل.
وعلى مستوى سبتمبر، سجل خام برنت مكاسب تقارب 14%، وهي الأكبر منذ يوليو، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 5%.
وجاءت المكاسب وسط تعثر المحادثات الأمريكية الإيرانية وتشدد أسواق الوقود الأمريكية.
🔮 نظرة مُركّب: مكاسب برنت البالغة نحو 14% خلال شهر واحد هي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل المستثمرين غير قادرين على الاطمئنان بالكامل إلى بيانات التضخم الأخيرة. إذا استمر النفط عند مستويات مرتفعة، فقد تنتقل الصدمة تدريجيًا من الطاقة إلى النقل والإنتاج والخدمات، وهو ما يعقد مهمة البنوك المركزية.
⛽ تشدد سوق الوقود يزيد أهمية ارتفاع النفط
لا تتعلق قصة الطاقة فقط بسعر برميل النفط.
تشدد أسواق الوقود الأمريكية يعني أن ارتفاع النفط يمكن أن ينتقل بصورة أسرع إلى المستهلك والشركات.
وهذا مهم لأن أسعار الوقود تؤثر في تكاليف النقل وسلاسل التوريد واللوجستيات والإنتاج.
ومع استمرار هذه الضغوط، يصبح تأثير الطاقة أوسع من الوزن المباشر للبنزين والوقود داخل مؤشرات التضخم.
🔮 نظرة مُركّب: الخطر الأكبر ليس ارتفاع النفط ليوم أو أسبوع، بل تحوله إلى مستوى سعري جديد يستمر لأشهر. الاستمرار هو ما يسمح للطاقة بالتسرب إلى تكاليف الشركات والأسعار النهائية، وعندها تصبح الصدمة أكثر صعوبة على السياسة النقدية.
💵 الدولار ينهي الشهر أكثر قوة أمام بعض العملات
استقر الدولار الأمريكي تقريبًا أمام العملات الرئيسية خلال جلسة الأربعاء بعد صدور بيانات التضخم.
لكن على مستوى الشهر، حقق الدولار مكاسب أمام عدد من العملات الرئيسية.
وساعد ارتفاع عوائد سندات الخزانة وتوقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة على دعم العملة الأمريكية.
وفي المقابل، أنهى اليورو سبتمبر على انخفاض أمام الدولار بعد شهرين متتاليين من المكاسب.
العلاقة هنا مباشرة نسبيًا: عندما ترتفع عوائد الأصول المقومة بالدولار مقارنة بالبدائل، يمكن أن تزداد جاذبية الاحتفاظ بالعملة الأمريكية.
🔮 نظرة مُركّب: قوة الدولار والعوائد الأمريكية المرتفعة تعني تشديدًا ماليًا إضافيًا لا يأتي مباشرة من الاحتياطي الفيدرالي. الدولار الأقوى يمكن أن يضغط على الشركات الأمريكية ذات الإيرادات الخارجية، كما يزيد تكلفة التمويل بالدولار على الاقتصادات والشركات خارج الولايات المتحدة.
🥇 الذهب يتراجع رغم حالة عدم اليقين
لم يستفد الذهب من حالة القلق في سوق السندات خلال نهاية الشهر.
انخفض الذهب الفوري بنحو 0.64% في الجلسة إلى $4,154.17 للأونصة، كما أنهى الشهر على تراجع.
السبب الرئيسي في هذه المعادلة هو أن الذهب لا يقدم عائدًا دوريًا.
وعندما ترتفع عوائد السندات والدولار، ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن.
لذلك يمكن للذهب أن يتعرض للضغط حتى في فترات ارتفاع المخاطر إذا كان ارتفاع العوائد الحقيقية والدولار قويًا بما يكفي.
🔮 نظرة مُركّب: تراجع الذهب في شهر شهد اضطرابات في السندات والطاقة يوضح أن “الملاذ الآمن” ليس العامل الوحيد الذي يحرك المعدن. عندما ترتفع العوائد والدولار معًا، تصبح تكلفة الاحتفاظ بالذهب أعلى، وقد يتغلب هذا العامل مؤقتًا على الطلب الدفاعي.
⚠️ القراءة البديلة: هل السندات أصبحت جذابة بعد موجة البيع؟
هناك جانب آخر لموجة بيع السندات.
ارتفاع العوائد يعني خسائر للمستثمر الذي كان يمتلك السند قبل الصعود.
لكنه يعني أيضًا أن المستثمر الجديد يستطيع شراء الدين بعائد أعلى.
وبالتالي، كلما ارتفعت العوائد، أصبحت السندات أكثر قدرة على منافسة الأسهم على رأس المال.
وهنا تكمن المفارقة.
الأزمة بالنسبة إلى المستثمر القديم يمكن أن تتحول إلى فرصة للمستثمر الجديد، خصوصًا إذا وصل الاقتصاد لاحقًا إلى مرحلة يتباطأ فيها التضخم وتنخفض الفائدة.
لكن هذا السيناريو يعتمد على توقيت ذروة العوائد، وهو أمر لا يمكن تحديده بسهولة.
🔮 نظرة مُركّب: ارتفاع العائد لا يجعل السند جذابًا تلقائيًا إذا كانت العوائد ستواصل الصعود، لأن ارتفاعها الإضافي يعني انخفاضًا جديدًا في السعر. لذلك فإن الفرصة الحقيقية لا تعتمد فقط على مستوى العائد، بل على ما إذا كانت السوق اقتربت من نهاية إعادة التسعير أم ما زالت في منتصفها.
🔄 لماذا لم تنه بيانات التضخم موجة بيع السندات؟
من المثير أن بيانات التضخم الأمريكية جاءت أفضل من المتوقع، ومع ذلك أنهت عوائد السندات طويلة الأجل الشهر عند مستويات مرتفعة جدًا.
السبب أن سوق السندات لا تنظر فقط إلى تقرير تضخم واحد.
هي تنظر إلى النمو الاقتصادي، وأسعار الطاقة، والإنفاق الحكومي، وإصدارات الدين، والسياسة النقدية، والاستثمارات الرأسمالية، والتوقعات طويلة الأجل للتضخم.
وبينما خففت قراءة أغسطس بعض المخاوف قصيرة الأجل، فإن بقية الصورة بقيت أكثر تعقيدًا.
الاقتصاد ينمو بوتيرة أقوى مما كان متوقعًا.
الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قوية.
النفط مرتفع.
والتضخم ما زال فوق المستويات المستهدفة.
🔮 نظرة مُركّب: انخفاض التضخم لشهر واحد يؤثر بصورة أكبر في السندات القصيرة التي ترتبط مباشرة بقرارات الفيدرالي القريبة، بينما تحتاج السندات طويلة الأجل إلى ثقة أوسع بشأن مسار التضخم والنمو والمالية العامة. وهذا يفسر لماذا يمكن أن تنخفض توقعات رفع أكتوبر بينما يبقى عائد 10 سنوات مرتفعًا.
🔭 النظرة المستقبلية
تدخل الأسواق الربع الرابع وهي أمام واحدة من أكثر المعادلات تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة.
من جهة، الاقتصاد الأمريكي أثبت قدرًا كبيرًا من المرونة، وتم تعديل نمو الربع الثاني إلى 2.2%.
كما جاءت بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة أقل من المتوقع، وهو ما رفع احتمال تثبيت الفائدة في الاجتماع المقبل إلى نحو 63% بحسب التسعير الوارد في التقرير.
لكن من جهة أخرى، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بنحو 53 نقطة أساس خلال سبتمبر، وسجل أكبر ارتفاع فصلي منذ 2009.
وفي أوروبا، ارتفعت معدلات التضخم في اقتصادات رئيسية، واتسعت فروق العوائد الفرنسية والألمانية إلى أعلى مستوياتها منذ 2012.
وفي الطاقة، حقق خام برنت مكاسب شهرية تقارب 14%، بينما ارتفع خام غرب تكساس بنحو 5%.
هذا يعني أن الربع الرابع يبدأ بثلاث قوى متعارضة:
نمو اقتصادي قوي، وتضخم يظهر بعض الاعتدال، وطاقة وعوائد سندات ما زالت مرتفعة.
بالنسبة إلى الأسهم، سيكون السؤال هو ما إذا كانت الأرباح قادرة على النمو بسرعة تكفي لتعويض ارتفاع تكلفة رأس المال.
وبالنسبة إلى السندات، سيكون السؤال هو ما إذا كانت بيانات التضخم الأخيرة بداية اتجاه جديد أم مجرد توقف مؤقت في موجة إعادة التسعير.
أما بالنسبة إلى الفيدرالي، فالمعادلة تتمثل في خفض التضخم دون خنق اقتصاد ما زال يظهر قدرًا كبيرًا من القوة.
🧾 خلاصة مُركّب: سبتمبر يعيد تسعير تكلفة المال عالميًا
كان سبتمبر شهر السندات بامتياز، ولكن ليس بالطريقة التي أرادها حاملوها.
ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 53 نقطة أساس، في أكبر قفزة شهرية منذ سبتمبر 2022، بينما سجل خلال الربع الثالث أكبر ارتفاع منذ 2009.
وارتفع عائد السندات لأجل 30 عامًا بنحو 39 نقطة أساس خلال الشهر.
وفي أوروبا، سجلت السندات الفرنسية تحركات استثنائية، واتسع الفارق مع العوائد الألمانية إلى أعلى مستوى منذ 2012.
أما الأسهم، فانخفض S&P 500 (SPX – S&P 500) خلال سبتمبر، لكنه سجل ثاني مكاسب فصلية متتالية، بينما انخفض STOXX 600 بنحو 2.5% خلال الشهر و1% خلال الربع.
وفي الطاقة، كان المشهد معكوسًا تمامًا.
ارتفع خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil Futures) بنحو 14% خلال الشهر، بينما تقدم خام غرب تكساس الوسيط (CL=F – WTI Crude Oil Futures) بنحو 5%.
وفي الوقت نفسه، جاءت بيانات التضخم الأمريكية أقل من المتوقع، ما رفع تسعير احتمال تثبيت الفائدة في الاجتماع المقبل إلى نحو 63% بحسب الأرقام الواردة في التقرير، بعد أن رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75%–4.00%.
لكن الرسالة الأكبر لا تتعلق بقرار واحد للفيدرالي.
السوق يعيد تسعير تكلفة المال عالميًا.
النمو المرتبط بالذكاء الاصطناعي أقوى، والطاقة أغلى، والتضخم أكثر صعوبة، والحكومات والشركات تحتاج إلى تمويل ضخم.
وكل ذلك يعني أن المستثمر لم يعد يستطيع بناء قراراته على افتراض أن العوائد ستعود سريعًا إلى المستويات المنخفضة التي اعتاد عليها في السنوات السابقة.
إذا استمرت هذه البيئة، فإن السؤال الذي سيهيمن على الربع الرابع لن يكون فقط: هل تنمو الأرباح؟
بل:
هل تنمو الأرباح بسرعة كافية لتعويض المستثمر عن امتلاك الأصول الخطرة عندما أصبحت السندات الحكومية نفسها تقدم عوائد مرتفعة؟
🔍 للمستثمر الذكي فقط
في مُركّب+، لا نطارد الأخبار العشوائية.
نحن نحلّل الشركات عبر فلاتر الجودة التي تميز بين “الشركات التي تصنع الضجيج” و”الشركات التي تصنع القيمة”، وعبر فلاتر الشريعة التي تضمن أن قراراتك الاستثمارية نظيفة وواعية.
📊 لأن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على الحظ، بل على الانضباط، والمعايير، والفهم العميق لما تشتريه ولماذا.
🎯 اشترك الآن في مُركّب+ لتصل إلى الشركات الأعلى جودة والأكثر توافقًا مع قيمك، وتتعلم كيف تستثمر بذكاء… لا بعشوائية.




