واشنطن تمهّد لتغيير قيادة الفيدرالي: تثبيت ترشيح كيفن وورش وسط جدل الاستقلالية
في خطوة مفصلية داخل المشهد الاقتصادي الأمريكي، صوّتت لجنة البنوك في مجلس الشيوخ لصالح تثبيت ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، ما يفتح الباب أمام التصويت النهائي في مجلس الشيوخ كاملًا، ويضع الرجل فعليًا على أعتاب تولّي المنصب قبل انتهاء ولاية جيروم باول في 15 مايو 2026.
اللافت أن تمرير الترشيح داخل اللجنة جاء “على أسس حزبية بحتة”، حيث صوّت جميع الجمهوريين لصالح وورش، بينما عارضه جميع الديمقراطيين، في مشهد يعكس حجم الانقسام السياسي حول شخصية قد تكون الأكثر إثارة للجدل في تاريخ تعيينات الفيدرالي الحديثة.
العنصر الحاسم في هذا التحول كان موقف السيناتور الجمهوري Thom Tillis، الذي كان يعرقل تقدم الترشيح، قبل أن يغيّر موقفه بعد إسقاط وزارة العدل التحقيق الجنائي المتعلق بباول. هذا التطور أزال العقبة الرئيسية، وأعاد الزخم لترشيح وورش، رغم أن الملف لم يُغلق بالكامل، إذ تم تحويله إلى المفتش العام للفيدرالي مع احتمال إعادة فتحه إذا ظهرت معطيات جديدة.
الترشيح لم يمر دون معارضة قوية، حيث قادت السيناتورة Elizabeth Warren الهجوم على وورش، واصفة إياه بأنه “أداة سياسية” للرئيس Donald Trump، ومحذّرة من أن تمرير تعيينه في هذه الظروف يُعد مخاطرة تهدد استقلالية البنك المركزي، خاصة في ظل الضغوط السياسية المتزايدة على السياسة النقدية.
ورغم هذه الاتهامات، حرص وورش خلال جلسات الاستماع على التأكيد بأن قرارات الفائدة يجب أن تبقى مستقلة بالكامل، مشددًا على أن ترامب لم يطلب منه أبدًا الالتزام بمسار معين لأسعار الفائدة. لكنه في الوقت نفسه أقرّ بأن التعبير السياسي عن الرأي في السياسة النقدية لا يُعد تهديدًا مباشرًا للاستقلالية، في موقف يعكس توازنًا حساسًا بين الواقع السياسي ومبادئ البنك المركزي.
من حيث الرؤية الاقتصادية، لا يخفي وورش انتقاداته للسياسات السابقة للفيدرالي، معتبرًا أن البنك ارتكب أخطاء في التعامل مع التضخم خلال 2021 و2022. ويدعو اليوم إلى ما وصفه بـ “تغيير النظام”، عبر تقليص الميزانية العمومية للفيدرالي، وإعادة النظر في إطار استهداف التضخم، وهي تحولات قد تعني تغييرًا جذريًا في طريقة إدارة السياسة النقدية خلال السنوات القادمة.
كما طرح وورش توجهًا مختلفًا في التواصل مع الأسواق، داعيًا إلى تقليل عدد تصريحات مسؤولي الفيدرالي، والحد من التوجيه المستقبلي (Forward Guidance)، بل وحتى إعادة النظر في عقد مؤتمرات صحفية بعد كل اجتماع، وهي ممارسات أصبحت ركيزة أساسية في عهد باول، وتعتمد عليها الأسواق في قراءة توجهات البنك.
خبرة وورش ليست جديدة على الفيدرالي، إذ شغل منصب محافظ بين 2006 و2011 خلال إدارة George W. Bush، ولعب دورًا محوريًا خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، حيث كان حلقة الوصل بين الفيدرالي وول ستريت خلال أكثر الفترات اضطرابًا. كما يمتلك خلفية قوية في القطاع المالي، بعد عمله في صفقات الاندماج والاستحواذ لدى Morgan Stanley.
اليوم، ومع اقتراب التصويت النهائي، لا يتمحور الجدل حول كفاءة وورش بقدر ما يتركز حول ما إذا كان تعيينه سيُبقي الفيدرالي مستقلاً بالفعل، أم سيدخله في مرحلة جديدة تتداخل فيها السياسة مع القرارات النقدية بشكل أعمق.
🧭 خلاصة مركّب: تعيين كيفن وورش ليس مجرد تغيير شخص، بل اختبار حقيقي لاستقلالية الفيدرالي. الأسواق لا تخشى الرجل بقدر ما تخشى “النظام الجديد” الذي قد يأتي معه… نظام أقل شفافية، وأكثر حساسية للسياسة.




