شهدت الأسواق العالمية بعض الهدوء الجمعة بعد موجة بيع قوية ضربت الأسهم والسندات، مع تراجع أسعار النفط من أعلى مستوياتها في 4 أشهر وتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية قليلاً. لكن خلف هذا الارتداد تظهر إشارة أكثر حذراً: المستثمرون الأمريكيون سحبوا $32.27 مليار من صناديق الأسهم خلال أسبوع واحد، وهي أكبر موجة تخارج منذ ديسمبر 2025.
المشهد أصبح مترابطاً بوضوح: الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تضغط على تدفقات الطاقة، ارتفاع النفط يعيد إشعال مخاوف التضخم، التضخم يدفع الأسواق إلى تسعير فائدة أعلى، وارتفاع العوائد يضغط بدوره على تقييمات الأسهم. وفي قلب كل ذلك يأتي تقرير مؤشر أسعار المستهلك (CPI – Consumer Price Index) لشهر أغسطس، الذي قد يحسم بدرجة كبيرة ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي (Fed – Federal Reserve) سيرفع الفائدة الأسبوع المقبل.
🛢️ النفط يتراجع من 109.97 دولار.. لكن الخطر التضخمي لم يختفِ
قفز خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil) في وقت سابق الجمعة إلى $109.97 للبرميل، وهو أعلى مستوى في 4 أشهر، بعد ارتفاعه بنحو 6% في الجلسة السابقة.
لكن الخام تعرض لاحقاً لضغوط بيعية قوية، ليتراجع بأكثر من 3.5% إلى نحو $103.64، بعد تقارير عن محاولات دبلوماسية في الشرق الأوسط للتوصل إلى ترتيب مؤقت يساعد على إدارة حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
ورغم هذا الهبوط، يبقى برنت في طريقه لتحقيق مكاسب أسبوعية تتجاوز 7.5%، ما يعني أن التراجع الحالي لم يمحُ صدمة الطاقة التي تعرضت لها الأسواق خلال الأيام الماضية.
ولا تزال تدفقات النفط عبر مضيق هرمز مقيدة مع استمرار تبادل الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران، فيما زادت تصريحات الرئيس دونالد ترامب (Donald Trump) بأن الصراع قد يمتد إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر من مخاوف الأسواق بشأن استمرار الأزمة.
كما صعد خام غرب تكساس الوسيط (CL=F – WTI Crude Oil) خلال الأسبوع فوق ذروة يوليو البالغة $93.50، ووصل الجمعة إلى أعلى مستوى في 4 أشهر عند $104.46.
🔮 نظرة مُركّب: انخفاض النفط يمنح الأسواق راحة فورية، لكن المشكلة الأساسية ليست سعر جلسة واحدة، بل المدة التي ستظل فيها الطاقة مرتفعة. بقاء برنت أعلى بكثير من مستوياته السابقة واستمرار القيود على هرمز يعنيان أن مخاطر انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم ما تزال قائمة.
🏦 السندات تتنفس.. لكن عائد 10 سنوات لا يزال قرب 5%
تراجع الضغط أيضاً عن سوق السندات الأمريكية، لكن العوائد ما تزال عند مستويات مرتفعة للغاية.
انخفض عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قليلاً إلى نحو 4.94%، بعد أن وصل في وقت سابق إلى 4.979%، وهو أعلى مستوى له في نحو 3 سنوات.
أما عائد سندات 30 عاماً فقد سجل قمة جديدة في 19 عاماً عند 5.3836% قبل أن يتراجع إلى نحو 5.352%.
وفي الجزء الأقصر من منحنى العائد، وصل عائد سندات سنتين إلى 4.5961%، وهو أعلى مستوى في 14 شهراً، بعدما قفز بنحو 12 نقطة أساس الخميس.
هذه التحركات تعكس إعادة تسعير واضحة لمسار السياسة النقدية. الأسواق تضع حالياً احتمالاً يقارب 67% لرفع الفيدرالي أسعار الفائدة هذا الشهر، مع تزايد المخاوف من أن ارتفاع الطاقة واستمرار التضخم الأساسي قد يجبران البنك المركزي على إبقاء السياسة النقدية أكثر تشدداً لفترة أطول.
وزادت الضغوط الخميس بعدما جاء برنامج إعادة شراء سندات الخزانة الأمريكية دون القيمة المتوقعة البالغة $6 مليارات.
والقصة ليست أمريكية فقط. عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات ارتفع بنحو 17 نقطة أساس خلال الأسبوع، في أكبر زيادة أسبوعية منذ مارس.
وفي الوقت نفسه، يتوقع محللون أن ترفع 8 من أصل 9 بنوك مركزية في الأسواق المتقدمة أسعار الفائدة قبل نهاية العام، بما يشمل الفيدرالي وبنك اليابان وعدداً من البنوك المركزية الأوروبية إلى جانب أستراليا ونيوزيلندا.
🔮 نظرة مُركّب: تراجع عائد 10 سنوات إلى 4.94% إيجابي للأسهم على المدى اللحظي، لكنه لا يغير الصورة الأكبر. وصول عوائد 10 و30 عاماً إلى هذه المستويات يشير إلى أن الأسواق تعيد تسعير سيناريو «فائدة أعلى لفترة أطول»، وهو أحد أهم مصادر الضغط على تقييمات الأصول حالياً.
📊 CPI قد يحسم رهانات رفع الفائدة
كل ذلك يرفع أهمية تقرير CPI لشهر أغسطس.
التوقعات تتمحور حول ارتفاع التضخم الأساسي بنحو 0.2% على أساس شهري، لكن المخاطر تميل إلى قراءة أعلى بعد أن أظهرت بيانات مؤشر أسعار المنتجين (PPI – Producer Price Index) استمرار بعض الضغوط السعرية.
قراءة أعلى بوضوح من التوقعات قد تعزز بقوة سيناريو رفع الفائدة في اجتماع الأسبوع المقبل، بينما يمكن لقراءة أكثر اعتدالاً أن تخفف جزءاً من الضغط الذي تراكم على السندات والأسهم.
الأمر أصبح أكثر حساسية لأن ارتفاع أسعار النفط حدث بالتزامن مع تضخم أساسي لا يزال عنيداً ونمو اقتصادي قادر حتى الآن على تحمل مستويات الفائدة المرتفعة.
كما رفع البنك المركزي الأوروبي (ECB – European Central Bank) أسعار الفائدة الخميس للمرة الثانية هذا العام، مع وجود مسؤولين يرون إمكانية لمزيد من التشديد في أكتوبر.
🔮 نظرة مُركّب: تقرير CPI لا يأتي هذه المرة في فراغ. النفط مرتفع، عوائد السندات قرب قمم متعددة السنوات، والأسواق تسعّر بالفعل احتمالاً كبيراً لرفع الفائدة. لذلك فإن أي انحراف واضح عن التوقعات يمكن أن يسبب تحركات قوية في الأسهم والسندات والدولار معاً.
💸 المستثمرون يسحبون 32.27 مليار دولار من صناديق الأسهم
الأرقام الخاصة بتدفقات الأموال تكشف أن الحذر لم يعد مجرد حركة يومية في المؤشرات.
خلال الأسبوع المنتهي في 9 سبتمبر، سجلت صناديق الأسهم الأمريكية صافي تخارج بلغ $32.27 مليار، وهي أكبر موجة بيع أسبوعية منذ التخارج البالغ $52.45 مليار في الأسبوع المنتهي في 17 ديسمبر 2025.
وكان الضغط مركزاً بصورة استثنائية على الشركات الكبرى، حيث سجلت صناديق الأسهم ذات القيمة السوقية الكبيرة تدفقات خارجة قياسية بلغت $40.44 مليار.
كما خرج نحو $682 مليون من صناديق الشركات متوسطة القيمة السوقية.
لكن الصورة لم تكن سلبية بالكامل؛ إذ جذبت الصناديق متعددة الأحجام نحو $3.52 مليار، بينما استقبلت صناديق الشركات الصغيرة حوالي $274 مليون.
واللافت أن المستثمرين لم يهجروا الأسهم بصورة عشوائية، بل استمروا في اختيار بعض القطاعات. فقد جذبت الصناديق القطاعية الأمريكية نحو $1.46 مليار، بقيادة قطاع التكنولوجيا بتدفقات بلغت $1.71 مليار، ثم القطاع المالي بنحو $720 مليون.
🔮 نظرة مُركّب: التدفقات تكشف عملية إعادة توزيع للمخاطر أكثر من كونها خروجاً شاملاً من السوق. التخارج القياسي من الشركات الكبرى بالتزامن مع استمرار الأموال في دخول التكنولوجيا وبعض الصناديق الأصغر يشير إلى أن المستثمرين يقلصون التعرض العام، لكنهم ما يزالون يبحثون عن فرص انتقائية.
🛡️ الأموال تتحرك نحو السندات مع تصاعد الحذر
في المقابل، واصل المستثمرون شراء صناديق السندات الأمريكية للأسبوع 21 على التوالي، مع تدفقات صافية بلغت $6.56 مليار.
وجذبت صناديق السندات الاستثمارية قصيرة إلى متوسطة الأجل نحو $3.75 مليار، وهي أكبر تدفقات أسبوعية لها في 9 أسابيع.
كما استقبلت صناديق السندات الحكومية والخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل حوالي $2.78 مليار.
هذا التوجه مهم، لأنه يحدث رغم الخسائر الحادة في أسعار السندات وارتفاع العوائد. بالنسبة لبعض المستثمرين، ارتفاع العوائد نفسه جعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية، خصوصاً في الآجال الأقصر التي تقل فيها حساسية الأسعار لتحركات الفائدة طويلة الأجل.
وفي الوقت نفسه، خرج نحو $10.41 مليار من صناديق أسواق المال، بعد أن استقبلت هذه الصناديق قرابة $48.76 مليار في الأسبوع السابق.
أما الأسهم العالمية، فقد حصلت على بعض الدعم الجمعة. ارتفع مؤشر ستوكس أوروبا 600 (STOXX 600 – STOXX Europe 600) بنحو 0.6%، لكنه ظل منخفضاً حوالي 1.5% خلال الأسبوع.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت عقود مؤشر S&P 500 (SPX – S&P 500) وعقود مؤشر ناسداك 100 (NDX – Nasdaq 100) بنحو 0.6%.
في آسيا، كانت الصورة أضعف؛ إذ انخفض المؤشر الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنحو 1.5%، بينما هبط مؤشر نيكاي 225 (N225 – Nikkei 225) الياباني بنحو 1.9%.
🔮 نظرة مُركّب: استمرار التدفقات إلى السندات بالتزامن مع التخارج الكبير من صناديق الأسهم يعكس ارتفاع الطلب على العائد والدفاعية. لكن التدفقات لا تشير حتى الآن إلى هروب كامل من المخاطر، بل إلى إعادة تموضع قبل وضوح مسار التضخم والفائدة.
🔭 النظرة المستقبلية
الأسواق تدخل نهاية الأسبوع أمام ثلاثة متغيرات مترابطة: التضخم، النفط، والعوائد.
إذا جاء CPI أكثر اعتدالاً من المتوقع واستمر النفط في التراجع من قممه الأخيرة، فقد تنخفض رهانات رفع الفائدة وتتراجع عوائد السندات، ما يمنح الأسهم فرصة لتحويل الارتداد الحالي إلى حركة أكثر استدامة.
أما قراءة تضخم ساخنة بالتزامن مع عودة النفط للصعود فقد تعيد بسرعة سيناريو «الفائدة الأعلى لفترة أطول»، وربما تدفع عائد 10 سنوات مجدداً نحو حاجز 5% وتزيد الضغوط على تقييمات الأسهم.
أما تدفقات الصناديق، فستكون مؤشراً مهماً خلال الأسابيع المقبلة: استمرار التخارج بمعدلات قريبة من $32 مليار أسبوعياً سيكون إشارة أكثر سلبية، بينما عودة الأموال إلى الأسهم بعد اتضاح مسار الفائدة قد تعني أن موجة البيع الحالية كانت إعادة تموضع أكثر منها تحولاً طويل الأجل بعيداً عن المخاطرة.
🧾 خلاصة مُركّب: الهدوء عاد مؤقتاً.. لكن الأموال أصبحت أكثر دفاعية
الإيجابيات:
خام برنت (BZ=F – Brent Crude Oil) يتراجع من $109.97 إلى نحو $103.64.
عائد سندات 10 سنوات يتراجع إلى نحو 4.94%.
عقود S&P 500 (SPX – S&P 500) وناسداك 100 (NDX – Nasdaq 100) ترتفع بنحو 0.6%.
صناديق التكنولوجيا جذبت $1.71 مليار.
صناديق السندات استقبلت $6.56 مليار للأسبوع 21 على التوالي.
لكن:
برنت لا يزال متجهاً لمكسب أسبوعي يتجاوز 7.5%.
عائد 10 سنوات وصل إلى 4.979% وعائد 30 عاماً سجل قمة 19 عاماً.
الأسواق تسعّر احتمالاً يقارب 67% لرفع الفائدة الأمريكية هذا الشهر.
صناديق الأسهم الأمريكية فقدت $32.27 مليار خلال أسبوع.
صناديق الشركات الكبرى سجلت تخارجاً قياسياً بلغ $40.44 مليار.
استمرار الحرب وقيود هرمز يبقيان مخاطر الطاقة والتضخم مرتفعة.
الرسالة الأهم ليست أن موجة البيع انتهت، بل أنها توقفت مؤقتاً مع هبوط النفط. المستثمرون أصبحوا أكثر دفاعية، وأسواق السندات تسعّر تشديداً نقدياً أكبر، بينما يبقى CPI العامل الأقرب القادر على إعادة رسم اتجاه الأسواق.
🔍 للمستثمر الذكي فقط
في مُركّب+، لا نطارد الأخبار العشوائية.
نحن نحلّل الشركات عبر فلاتر الجودة التي تميز بين “الشركات التي تصنع الضجيج” و”الشركات التي تصنع القيمة”، وعبر فلاتر الشريعة التي تضمن أن قراراتك الاستثمارية نظيفة وواعية.
📊 لأن الاستثمار الحقيقي لا يقوم على الحظ، بل على الانضباط، والمعايير، والفهم العميق لما تشتريه ولماذا.
🎯 اشترك الآن في مُركّب+ لتصل إلى الشركات الأعلى جودة والأكثر توافقًا مع قيمك، وتتعلم كيف تستثمر بذكاء… لا بعشوائية.




